محكمة الألوان 1
أكتوبر 10, 2010 من تأليف sunyday

اجتمعت الالوان يوما واختصمت وأبدى كل لون تذمره وأظهر حنقه على ما الحق به من سىء الأحوال والصفات وقدم كلٌ حججه وبسط أمام الجمع براهينه وكان أوسعها غضبا وأبعدها حنقاً اللون الاحمر الذي ثار صوته واندفع بركان حديثه بدون انتظار الإذن ِ قائلا :
صدقوني لقد مللت , لا تحسبوني هانئا لمحلي من الشفاة أو مغتبطا لموضعي من الخدود فما ذلك سوى وهم وخداع لتسليتي عن همي وإشغالا لي عن حقيقة وضعي , ولإن ارتبط اسمي عرضا بالخجل والحقتُ بما يعتري العذارى من انكسار وشفقة تظهر في حمرة خدودهن وتورد وجناتهن إلا أن ذلك لم يكن كافيا ليمحو اسمي عما يعتري تلك الوجوه الغاضبه لتترافق عباره ”احمرّ وجهه خجلا ” ب ”احمرّ وجهه غضبا ” وقد أنستْ الثانية الاولى فكانها لم توجد . وحتى ما سبق وعُللتُ به عن مصابي من حمرة الشفاة تورد الخدود فقد زاحمتني عليه بقية الالوان فلم تعد الشفاة حمراء ولا الخدود كما كانت بل طمست حمرتها بالازرق والاخضر وحتى الاسود فيا له من مصاب . وليس ذلك وحسب بل تم الصاق نقائص وخطايا البشر بي فسميت لياليهم الماجنه بالليالي الحمراء وكأني من بين الالوان صنو الخلاعة والمجون بل زادوا على ذلك وجعلوني رمزا يدل على كل خطير مودٍ بالحياة فرسمت علامات التحذير باللون الاحمر وصبغت إشارات المرور كذلك إيذانا بالموت و الهلاك , وذلك قطرة من بحر ولولا خشية الاملال لسردت لكم معاناتي مع النار والشياطين وحتى أقلام المعلمين الحمراء والدوائر الكئيبة التي تحيط بدرجات الخائب من التلاميذ .
وقبل أن يكمل حديثه قاطعه صوت حاد كأنه صوت مريض يطاردة الموت قائلا :
كفاك أيها اللون الاحمر , قد سمعنا ما يكفي ووعينا غايتك ولكن لتعلم وليعلم بقية الحضور أن حلك ليس بأشد من حالي , فلإن كانت الحمرة على الوجه علامة النظارة وعنوان الشباب فليس لوني سوى رسالة المرض وهيئة الكهولة وصورة العمر الفاني حتى اُلحق اسمي بما يعتري البشر من مرض وما يخالطهم من وباء فسميت الحمى بالحمى الصفراء بل كان أسمي مجردا وحده اسما لمرض سمي ”الصفار ” فهل من لون سواي كان اسمه مرضا قائما بذاته بل قد فاض الوصف ليشمل أمراض الروح بعد أمراض البدن فقيل ” ابتسامة صفراء ” لما يتصنعه البشر من ابتسامة تخفي النفاق والسماجة ولست أعلم صدقا لمَ أخترت أنا من بين الالوان جميعا لتلحق بي هذه الصفة الذميمية بل إن عجبي يزداد على صحفهم التي لا تراعي المصداقية وشرف المهنه لماذا سميت صحفا صفراء ولست أجد مبرراً سوى التعمد في تشوية صورتي بين الالوان , ليس هو الا التعمد نعم التعمد وهنا خنقته العبره والتهم وجهه بكفيه وغاب في نواح مؤلم .
وعلى نواح اللوان الاصفر تسرب للمكان فحيح أجش عميق كأنه يأتي من نهاية العالم وبحشرجه من يغالب الصوت جاء النداء الحزين :
مصابكم عظيم لا محالة وحزنكم لا عزاء له ولكن حالي يتيم في قسوته متفرد في المة تقطعت حبال السلوى دونه . إن كل ما ناحت به معاناتكم مما الحق بكم من نقيصة وخزي وما وصمتم به من مرض أو سيئ الخلق واقع لا ينكر ولكن لكم فيما سواه سلوى عنه ولكم فيما اُنصفتم به ولا تنكرونه مندوحة ٌ وَسعة تفرج بعض همكم وتؤنس به وحشة ألمكم ولكن هيهات لمثلي ذلك فقد كُسرت ساقاي عن بلوغ مثله وقصرت يدي عن تناول بعضه وكيف ذلك لمن كان كله سوء ومنقصه , وكيف بمن لم يصاحب في حياته مأثرة أو محمده ومن لم يخالطه مدح أو يغشاه إطراء . كيف بمن ولد وعاش في بيوت العزاء وتدثر بملابس الحداد . من كان للموت قرينا وللحزن خدنا . أنا من كان الليل رفيقي وملازمي لا يغادرني ولا اغادره فأكسبني من خوفه ووحشته وظلمته حتى تلبستني صفاته تلك فلم أعد لونا إنما أنا شيء بلا كنه , أدعى حينما يغيب الفرح ولا يوسع لي إلا على أصوات النواح يهرب مني كل اسم وصفه وتتحاشاني الايام والازمان فمن صافحني أصابته لعنتي فيعيش مذموما مابقي فليس أشد على بني البشر من يوم أسود أو ساعة سوداء أو وجة أسود . وفي صوت اختلطت حشرجته بببكائه أنهى اللون الاسود حديثه مرغما بإشاره بيده توحي بأنه قد انتهى .
Like this:
Be the first to like this post.
أرسلت فى اوراق الورد | تعليقات
اترك رد
وددت لو لم تنتهي..
جميل جدا حديثك هنا…عن الألوان
بصراحة لا أؤمن بتحليل الشخصية عن طريق الألوان ..
غربه ..كثيرون لا يؤمنون بتحليل الشخصيه عن طريق الالوان أو الخط أو حتى الخطوط المرسومه على الكفين.
البعض يزعم أن التحليل يصيب لدرجه كبيره ولكني لم أجرب سوى تحليل الكف
نص جميل جدا
دام الله نبضك اخي…
ابدعت فقط استمر …
=)
مغربية … مرورك هو الاجمل
نوره الحميري
كلماتك وتشجيعك هو مايحيي نبض كلماتي
شكرا على المرور
اتوق لقراءة ما يتبع. وكأنني اتخيل ما يحدث في مجلس الالوان ذاك.
تحياتي لك. وارفع لك “العقال” تقديرا