الشعوب الجديده
مارس 10, 2011 من تأليف sunyday
بعيدا عن الصراعات والتحولات السياسيه التي تتوالى على المنطقه أجدني أذهب بعيدا لزاوية اخرى لأرى تحركا وتغيرا قد يكون هو الأهم والأخطر والأجدر بالاهتمام والتركيز , ثلاثة مواقف صغيره جدا حدثت في الاسابيع الماضيه في زخم الثورات العربيه المتتاليه وقد لا تكون لاقت من الاهتمام ما لقيته خطابات الفهم المتأخر من قبل الزعامات العربيه أو خطابات الرقص على الجراح للعقيد المجنون . الموقف الاول جاء فيما كتبه فهمي هويدي حيث ذكر نقلا عن مدراء أحد البنوك المصريه بأن أحد السيدات جاءت للبنك وطلبت تحويل مبلغ 5000 دولار امريكي الى الجنيه المصري وحين ابدى موظف البنك استغرابه من فعلها حيث أنه من المفترض أن تقوم بالعكس كما يقوم الكثيرين , فردت عليه “ولأن الناس تقوم بالعكس وخوفي من تأثر الاقتصاد المصري فكرت بأن أدعم الاقتصاد بما أستطيع “. هذا الموقف وما سبقه من مواقف حدثت في ميدان التحرير وما ورد في شهادات ويوميات المتظاهرين ومابثته الفضائيات من سلوكيات حضاريه كالنظام العجيب والنظافه والامانه ( ذكر بعض الشهود بأن حافظات نقود وهواتف نقاله فقدت في ميدان التحرير ووجدت حال الاعلان عن فقدانها عبر إذاعة الميدان ).
هذا يقودنا للموقف التالي والذي يروية أحد شهود العيان من ساحة التغيير في العاصمه اليمنية صنعاء حيث تحدث ضاحكا مستغربا وساخرا بأن الشعب اليمني كثير ا ما يتهافت على كل ما يوزع بالمجان ولو كان غير ذي قيمه ولكن ماشاهده في ميدان التغيير كان صوره مختلفه تماما حيث أن الصناديق الكرتونيه المليئه بقناني الماء تنتشر في الميدان لمن ينشد ري عطشه ولا تمتد اليها يد , كما ينقل نفس الشاهد صوره متميزه من النظام والنظافه لم تكن تلاحظ في شوراع المدن اليمنية سابقا وذلك بشهادة اهلها .
المشهد الاخير والذي يرويه أحد الصحفيين من أحد المدن الليبيه والتي تعرضت للقصف الجوي حيث ذكر بأن أحد المصارف قد تعرض لقصف جوي أدى لتدمير المبنى ومع ذلك لم يقم أي شخص باقتحام المبنى أو محاوله سرقه الاموال الموجوده فيه . تلك المشاهد تكررت في كل المدن والعواصم العربيه الاربع تونس ومصر وليبيا واليمن . وهنا تتوقف الشهادات ونرتفع قليلا لنرقب المشهد العالم من الاعلى .
لو عدنا أشهرا قليله للوراء , الى نهايات العام المنصرم والقينا نضره سريعه على تلك البلدان العربيه. لكنا رأينا الصوره مختلفه تماما وكأن الشعب هو الذي تم استبداله وليس الحكومات , وكأن الشعب المصري واليمني والليبي والتونسي قد غادر مع رؤسائه وحكوماته الراحله وحل مكانه شعب جديد بسلوكيات وأخلاقيات وممارسات مختلفه. الصوره الحضاريه المبهره التي قدمتها تلك الشعوب تؤكد بأن التغيير الحاصل هو تغيير على مستوى الشعوب وقيمها الحضاريه التي أنهكتها الحكومات الدكتاتوريه وأفقدتها مكوناتها الانسانيه الحقيقيه فأصبح المواطن العربي يسرق ويقتل ويغتصب ويتحرش ويخرب ولايحترم القانون ولا النظام ولا يهتم بالمال العام ولا نظافته ونظافة بلده ومدينته ومن رحم هذا التغيير العجيب يولد التساؤل التالي : هل تغيرت الشعوب بمجرد تغير حكوماتها ؟؟ ولذلك عدة تحليلات أولها أن قيم وممارسات المجتمع هي انعكاس لممارسات وقيم الحكومه وهذا نابع من الابويه التي كانت تمارسها الحكومات على الشعوب ولنا أن نتذكر مصطلحات من قبيل ( ابو المصريين أو رب العيله ) أو كلمات العقيد في خطاباته ( أنا المجد) وبذلك تصبح الشعوب رهينه لتبعيه غير مقصوده للرمز الذي يمثله الدكتاتور فتمارس نفس ممارساته وتتمثل قيمه , التحليل الاخر هو أن تلك القيم المنحطه التي لازمت المجتمعات كانت نوع من التمرد الغير معلن كانت الشعوب تمارسه لإظهار تبرمها وحنقها في وجه الدكتاتوريات أو نوع من تعذيب وجلد الذات ومازوخيه كريهه عانت منها تلك المجتمعات ومارستها إما للتكفير عن خنوعها وخضوعها أو لتفريغ شحنات الغضب الناتجه عن الظلم الاجتماعي والقهر وتردي الاوضاع الاقتصاديه والتضييق على الحريات فتجد الشاب يفرغ تلك الشحنات في تكسير مقاعد حافله أو الشخبطه على جدار مدرسه او قد يحاول التمرد على القبضه الامنيه التي تذله بتحرشه بفتاه في مكان عام . هذه الاحتمالات وارده وكلها تربط التغيير بتغير أو بزوال المؤثر وهو الحكومات وهنا أتذكر ما ورد في كتب التاريخ في سيرة الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز حيث تروي السير بأن الاموال كانت تربط بأعناق الكلاب فلا تجد من يأخذها وهذا يظهر الأثر الكبير للحكومه وللرموز على قيم وسلوكيات المجتمع سواء بالسلب أو الإيجاب .
ولكن قد يكون هنالك تفسير آخر على الطرف النقيض لعملية التغيير تلك كأن تكون الحكومات قد تغيرت لأن قيم الشعوب قد تغيرت ولم تعد تستوعب تلك الممارسات الدكتاتورية وهذا يعني أن الشعوب قد مرت بعمليه تغيير طويله تم فيها نبذ القيم السلبيه وغرس قيم إيجابيه مكانها وما سقوط الفراعين الا المؤشر النهائي لعمليه التغيير الكبرى تلك , فالنبي صلى الله عليه وسلم قد مارس عمليه تغيير طويله على المجتمع المسلم في ذلك الوقت تمثلت في نبذ القيم السيئة وتفعيل القيم الجيده أما الاصنام حول الكعبه فلم تكن هي قضيته الاساسيه فحينما أنتهت عمليه تغيير المجتمع فإن سقوط الاصنام لم يحتج لسوى إشاره من عصاه الى الصنم ليسقط اجذاذا , وقد سقط بن علي في أيام وتلاه مبارك وبعد سقوطهم تبين الناس أنهم لو كانو يعلمون ضعفهم لما لبثو في العذاب المهين لسنوات .
. سواء كان أي من التحليلين صحيحا أم لا يبقى الأهم هو القادم فما حدث قد يكون قابلا للتغير وكما قيل أن مصر هي من تصنع فراعينها فإن مبارك وبن علي وصالح والقذافي ليسو شخوصا وليسو حكومات لكنهم قيم دكتاتوريه وتعسفيه قابله للتكرار ووفق القاعده الفيزيائيه فإن الفراغ في القيم الحضاريه يغري القيم المعاكسه لتتمدد وتملاء الفراغ , لذلك يبقى الضمان الوحيد للمحافضه على مكتسبات تلك الثورات العربيه هو اسقاط كل قيم ( القابليه للدكتاتوريه والخضوع ) على وزن القابليه للاستعمار وهي قائمة طويله من الفوضويه والفردانيه والجشع وعدم احترام القانون وعدم احترام الرأي الاخر لتحل محلها القيم الحقيقه للشعوب الجديده من قبول للتعدديه واحترام الاخر واحترام القانون واحترام إنسانيه الانسان وحقوقه و التعامل على اساس المواطنه و مصلحة الوطن وليس مصلحة الفرد , تلك هي الضمانه الوحيده التي تحتاج الى حراسه ومراقبه مستمره . لازلت أذكر قصه سمعتها منذ سنين ولا أعلم دقتها ولكن معناها بالتأكيد صادق وبليغ حيث يروى أن هولاكو سلطان المغول حينما عزم غزو بلاد المسليمن في المشرق بعث رسولا الى بغداد فدخل سوقها وولج أحد المحلات في السوق وقال للبائع إني أبحث عن أفضل بضاعة في السوق فرد عليه التاجر بأنه يستطيع أن يعرض عليه أفضل بضاعه في دكانه فقط لكنه لا يستطيع الجزم بأنها الافضل في السوق فقد يكون لدى جاره ماهو خير مما لديه وأفضل وهنا تأكد رسول الخاقان بأن البلد غير مهيأه لغزوهم وعندما عاد مرسلا للمره الثانيه بعد سنين ودخل محلا في نفس السوق وسأل البائع نفس السؤال فرد عليه بأن بضاعته هي الأفضل والأجود ولن يجد في السوق مثيلا لها حينها أدرك بأن بنية المجتمع قد تمكنت منها قيم الانانيه والفرديه وحب الذات والتي تغري أي غاز ويسيل لها لعاب أي دكتاتور .
Like this:
Be the first to like this post.
أرسلت فى 1 | تعليق واحد
اترك رد
نظرة جميلة ولفتات رائعة من زواية مختلفة .. لو لم يكن هذا التغير منه قبل الثوار في تلك الساحات ما نججت تلك الثورات واستمرت ..واذا استمرت الشعوب بالتنبه لتغيير الذات وتمكين القيم الحضارية .. فسيظهر التحسن والنتيجة الايجابية من هذه الثورات .. إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ
شكرا لك